تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



إذا كانت الإشارة أو الصورة المتلفزة قد أصبحت في العصر الحاضر وسيلة من وسائل التواصل الثقافي، يتم من خلالها نقل أخبار أو تصوير حالة أو تقديم وضع، فإن الترجمة كانت وما تزال الوسيلة الأهم لتحقيق ذلك التواصل بين الشعوب. فمذ عرف الإنسان الأبجدية محققاً بذلك قفزة تاريخية في مضمار التطور، ومذ بدأ يكتب ما يعرفه ويدون تاريخه وأفكاره، كانت الترجمة الرديف المباشر لذلك التطور، فالبشر سلسلة متصلة الحلقات رابطتها اللغة وقوام تلك الرابطة هو الترجمة.‏

إذن، عن طريق الترجمة تعرف الشعوب بعضها بعضاً، يتعرف الناس في هذا البلد إلى عادات الناس في ذلك البلد، إلى أعرافهم، تقاليدهم، أفكارهم، آدابهم، سلوكهم، تاريخهم، بل حتى إلى تضاريسهم وجغرافيتهم. من هنا نرى الدور الكبير الذي لعبته ترجمة الأدباء الروس كتولستوي ودوستويفسكي وغوركي في تعريف العالم بهذا الشعب، تعريفه بطباعه، بأنماط معيشته، بأرضه. كذلك الأدب الفرنسي أو الإنكليزي... فالكثيرون منا يعلمون عن لندن وباريس، من خلال «قصة مدينتين» لتشارلز دكنز، مثلاً، أكثر مما يعرفون عن الدوحة أو الخرطوم رغم جميع وسائل الاتصال الحديثة المعروفة الآن. يبرز دور الترجمة في تحقيق التواصل الثقافي هذا على نحو خاص حين تكون حلقات السلسلة متباعدة أي حين لا يكون هناك تماس مباشر بين شعبين أو أمتين. في هذه الحالة قد تصل حد الانعدام، إن لم تقم الترجمة بسد هذه الثغرة سداً مباشراً.‏

مثلا على ذلك: كانت الصين قديماً بلاداً نائية بالنسبة إلى شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت المعلومات عنها ضئيلة إلى حد جعلها بلاداً مبهمة غامضة، لهذا كانت رحلة ابن بطوطة وما كتبه عنها ورحلة ماركو بولو حدثاً تاريخياً، إذ نقل كل منهما من المعلومات ما قرب تلك البلاد وألقى عليها ضوءاً ربما كان هو الركن الأساسي للتواصل الثقافي الذي حدث فيما بعد بين هذه البلاد والبلدان الأخرى. رحلة ابن فضلان إلى بلاد البلغار والروس في القرن العاشر الميلادي مثال آخر على الدور الذي يمكن للغة أن تلعبه في تحقيق التواصل الثقافي. فقبل ابن فضلان، ربما لم يكن هناك أية معلومات عن تلك الشعوب التي تعيش في أقصى الشمال حيث الثلج الدائم والدببة البيضاء والشمس التي لا تغيب في بعض الأوقات من العام... على أن التواصل الثقافي عملية تبادلية تتم بين طرفين أو أكثر ويتم من خلالها انتقال الأنماط السائدة والتقارب بين الأفكار ووحدة النموذج البشري.‏

إن نظرة واحدة نلقيها اليوم على بني البشر ترينا أنهم يوماً فيوماً يزدادون قرباً بعضهم من البعض الآخر... ذلك أن عملية التواصل الثقافي، التي تشكل الترجمة عمودها الفقري، كفيلة بأن تلغي التباينات الشديدة، أن تخلق النموذج العام الذي يعمل الناس على احتذائه، وهكذا يحمل ثوار كوبا الأفكار نفسها التي يحملها ثوار الصين ويقرأ الناس في الصومال الفرنسي فولتير وجان جاك روسو بقدر ما يقرؤهما ابن مارسيليا أو سترازبورغ. كما يعرف العالم كله «بخيل» موليير و«أبله» دوستويفسكي و«هاملت» شكسبير و«دون كيشون» سرفانتس.‏

إنها نماذج عالمية معروفة قامت الترجمة بتقديمها للناس في كل مكان. يكفي أحياناً أن تقول هذا رجل مغرم بالنساء يتلاعب بعواطفهن حتى يطلق عليه اسم دون جوان. كما يكفي أحياناً أخرى أن تقول ذلك رجل كسول متواكل بطيء الفهم والحركة حتى يصفه صديق آخر بأنه أبلوموف، كذلك حسبك أن تقول إن ذلك الرجل غيور عنيف قاس حتى يقال إنه عطيل... وهكذا الشأن مع شخصية علاء الدين من الأدب العربي، زوربا من الأدب اليوناني، فاوست، شايلوك... إلخ إنها الأنماط والنماذج التي استطاعت الترجمة عبر عملية التواصل الثقافي بين الشعوب، أن تخلقها وتكرسها إلى أن أصبحت نماذج بشرية عامة يعرفها الناس في كل مكان.‏ 

المصدر: أنفاس نت


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة