تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



بقلم/ أسامة طيش

 

قبل البدء في تفصيل هذا الموضوع، أودُّ أن أوضح للقارئ الكريم، أنَّ كل ميادين الترجمة ماتعة ورائعة، الفرق الذي يَكمن بينها ربما هو في تلك الاختلافات الموضوعية والمنهجية؛ حيث إن لكل ميدان مُتطلبات معيَّنة، وقدرات خاصة من المترجم، فقبل ولوجه هذا الميدان أو ذاك، عليه أن يتسلَّح ويتزود بالوسائل التي تُمكِّنه من السيطرة على المادة العلمية الخاصة بميدانه.

بادئ ذي بدء، نقصد بالترجمة الأدبية، المجال الذي يَجمع الشعر والنثر وغيرهما من صنوف الأدب، وحتى يكون المترجم قادرًا على الأخذ بتلابيب هذا الميدان، يتطلب الأمر منه الموهبة ابتداءً، ثم القدرة الفائقة في تشكيل اللغة بمهارة وبراعة

أما الترجمة المتخصِّصة، فتجمع القانون والطب والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وغير ذلك من التخصصات، وهنا على المترجم أن يكون خبيرًا بهذه التخصصات، عالمًا بمصطلحات كلٍّ منها، فعليه التقرب من أهل التخصُّص وسؤالهم إن لفَّ ترجمةَ جملة ما غموضٌ، حتى يتيقَّن من أمره، ويكون على بيِّنة من أن ترجمته تفي الغرض المطلوب منها.

ولكي أكون واضحًا معكم، فإن الترجمة الأدبية تُعدُّ من قبيل الترجمات المتخصِّصة، وهذا في كندا، حيث تعتبر اللغة الأدبية وهي مداد الترجمة الأدبية، من قبيل اللغات المتخصِّصة، وأردتُ أن أُشير إلى هذه النقطة، حتى لا يَلتبِسَ الأمر على من يقرأ موضوعي هذا.

وإذا عدنا إلى الترجمة الأدبية، فإنها تتميز بأنها صعبة نوعًا ما، ويَجب إيجاد طريقة معينة في إيصال الفكرة والرسالة، أدعم كلامي بما قاله "جاك دريدا"Jacques Derrida: "إن الترجمة أحيانًا تكون مُستحيلة وضرورية".

والترجمة الأدبية تَرتكز أساسًا على المعنى، ويَستحيل علينا الترجمة كلمة بكلمة؛ لأنَّ ذلك سيَعوق عملنا، ولن نفلح في نقل الرسالة التي نبتغيها من ترجمتنا لأبيات شعريَّة، أو نصٍّ نثري يَحمل صورًا بيانيَّة ومُحسِّنات بديعية، هنا يقول "ميشال بالار Michel Ballard: "إنه مِن الصعوبة بمكان تتبُّع الأسطر المكتوبة من الغير؛ وذلك كي لا نتوه في أماكن ما؛ حيث من الصعب نقل ما كتب في لغة إلى لغة مغايرة، [...] عندما أترجم حرفيًّا، هذا يَعني نقل معنى غير دقيق، وحين أعدل منه سواء على مستوى البناء اللفظي أو الأسلوب، أحصل على انطباع أنني أخون أمانة المترجم".

أدلف بكم إلى ما يقول المترجم الكبير "شيشرون Cicéron"، وهو من المنظِّرين الذين أرسوا دعائم علم الترجمة، يقول "شيشرون": "في الواقع، كنت أعتقد أن ما يهمُّ القارئ هو تقديم نفس عدد الكلمات، ولكن اتَّضح لي أن وزنها هو الأهم"، من كلامه، نستشفُّ بأن للكلمات قوَّة معنوية ومحصولًا من المشاعر والأحاسيس، وفعلًا، قارئ النصوص الأدبية يبحث عن المُتعة، ونقل نفس رونق وجمال النص الأصلي، فعلى المترجم أن يسعى في سبيل تحقيق ذلك، وإلا يكون قد فشل في عمله الترجمي.

بينما الترجمة المتخصصة تتميَّز بأن لكلِّ تخصُّص لغة معينة تبعًا لموضوعاتها الخاصة، فالميدان الطبي له مصطلحاته الخاصة، وعلى المترجم أن يبحث حتى في خلفية هذه المصطلحات، وإلا لن يستطيع الفلاح في ترجمة صحيحة ودقيقة، يقول في هذا الصدد "دانيال كواداك Daniel Gouadec": "إنَّ التخصُّص يحدَّد انطلاقًا من اللغات المُقترحة، وكذا الموضوعات التي يجب أن يتدخل فيها المترجم[...]).

يدعم هذا القول "جون رينيه لادميرال" Jean- René Ladmiral ؛ حيث يرى أن الترجمة المتخصصة تُحدَّد وفقًا لطبيعة اللغة التي يستعملها المتكلِّم، وأيضًا تبعًا للموضوع المعالج، كالمجال التقني، وهنا يضرب لنا مثالًاآخر عن مجالات الترجمة المتخصصة المتعددة، فلكل تخصُّص طبيعته الخاصة، وكذا مصطلحاته المستعمَلة.

ويضيف "لادميرال": "إن قضية الترجمة المتخصصة تطرح أساسًا على مستوى الممارسة على الصعيد المهني، فتدريسها يُفترض أن يُحضِّر له الطلبة، بما يُمكنهم من تجاوز عوائقها ذات الطبيعة الخاصة"، فعلى التكوين الجامعي أن يُراعي هذا الجانب؛ لأنَّ هذا النوع من الترجمات، يطرح عوائق معيَّنة، على الطالب أن يتعلم كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يَنتقي المعلومة، وكيف تكون ترجمته صحيحةً باختيار اللفظ الدقيق، في السياق المحدَّد، بكل موضوعية وحياد، دون تزويق أو تلميع لغوي.

الترجمة رسولنا إلى الآخر، وسواء كانت أدبية أو متخصِّصة، فإن لها دورًا كبيرًا في اتصالنا بالآخر، وفي نقل صورتنا الأدبية والثقافية والاجتماعية والعلمية؛ أي:إنها جسر تواصل وحلقة تبادل، تمكِّننا من التعريف بما لدينا من مكتسبات، وتجعل منا قادرين على الإفادة من تجارب الغير، والفرق الذي يقع بين الترجمة الأدبية والمتخصصة، هو أن الأولى تلقي الضوء على المشهد الثقافي عندنا، أما الثانية، فهي تُعرِّف بما عندنا من قدرات في شتى المجالات المتخصصة، إذًا، للترجمة رسالة، ورسالتها تختلف بتنوع ميادينها، وتبقى دومًا جديرة بالاهتمام والتقدير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلًا عن شبكة الألوكة 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة