تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



نظرية الملائمة (Relevance Theory)

يبني كتاب إرنست-أغسطس جوت (Ernst-August Gutt) في عام 1991 “الترجمة والملائمة: الإدراك والسياق”  على عمل مسبق لسبيربر و ويلسون (Sperber and Wilson, 1986). يأخذ عمل جوت نهجا معرفيا للترجمة ينتمي إلى مجال علم اللغة النفسي. وعلى الرغم من عرض نظرية الملائمة هنا بمناهج وظيفية، فقد يجادل البعض أنها ليست نظرية وظيفية بالتحديد، كما أن جوت لا يصفها على هذا النحو. ولكنها موجهة نحو الثقافة الهدف وبهذا المعنى فهي عموما تتماشى مع الوظيفية حتى وإن ميزها أساسها النظري المعرفي عن غيرها من المفاهيم. يبدو أن فيرمير يوضع نظرية الملائمة في إطار وظيفي، مشيرا على سبيل المثال أنه من الأفضل اعتبارها نظرية فرعية من نظرية سكوبوس (Vermeer, 1996:65).

يُنظر إلى الاتصالات في نظرية الملائمة بأنها تعتمد على عمليات استنتاجية، بعكس نظرية نيدا التي ترى الترجمة من خلال عمليات فك الترميز وإعادة الترميز. النقطة الأساسية في نظرية الملائمة هي النظر للاتصال بأنه استنتاجي، ومتوفر من خلال مبدأ الملاءمة: الحد الأقصى من الفهم بالحد الأدنى من جهد المعالجة. ووفقا لجوت فإن “الادعاء الرئيسي لنظرية الملائمة هو أن التواصل الإنساني يخلق أساسا توقع بالملائمة المثلى، أي التوقع من جانب السامع بأن محاولته في الترجمة ستولد آثار سياقية كافية بأقل تكلفة للمعالجة” (Gutt, 1991:30).

يحدد جوت نوعين من الترجمة، المباشرة وغير المباشرة، والتي تعتبر قريبة عموما من تقسيم الترجمة الحرة والحرفية. الترجمة المباشرة حيث التي “يهدف فيها النص الهدف إلى أن يشبه تفسيريا النص الأصلي تماما” (Gutt, 1991:163)، أما الترجمة غير المباشرة فهي اصطلاحية أكثر، ويُنظر إليها بأنها الترجمة التي “تعطي التفسير المقصود بدون التسبب للجمهور في جهد معالجة غير ضروري” (Gutt, 1992:42). لكن نظرا إلى المساحة المخصصة للمشاكل المرتبطة بجهد المعالجة غير الضروري، يمكن للمرء أن يتصور أن جوت كان يميل إلى تفضيل الترجمة الغير المباشرة (الاصطلاحية)، ولكن في الواقع نجده يدعو بشكل  مدهش إلى الترجمة مباشرة، على الرغم من أن مثل هذا النهج الحرفي سيؤدي طبيعيا إلى معالجة أكثر.

هذه وجهة نظر غريبة ولكنها ليست في مشكلة نظرية حد ذاتها، لأنه لازال باستطاعة المترجم أن يتبنى النظرية مع تفضيله للترجمة غير مباشرة. تأتي المشاكل من أماكن أخرى، كما أن الذي يبدو أنه مفقود في العمل هو ما يكمن وراء وجهة نظر اللغوية النفسية لكيفية تواصل الناس. وكما يبدو من كتابات جوت، فإن هناك القليل من حيث القيمة العملية: فهو يدعم الترجمة المباشرة، ولكنه كما يشير سميث فهو “على حد علمي لم يحاول توضيح ما ينبغي أن تكون عليه الترجمة المباشرة” (Smith, 2008:170) .

وقد علق وندلاند (Wendland, 1996:127) بأن نظرية الملائمة “ناقصة على نحو خطير فيما يتعلق بتوفير ما يلزم من المبادئ التوجيهية الثابتة (والمؤثرات السياقية المرتبطة بها) عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع مشاكل ترجمة محددة”. وبالمثل، فقد قيل أنه “إذا أراد [المترجمين] مساعدة مباشرة في شؤونهم اليومية، فلا ينبغي أن يتوقعوا إيجادها هنا” (Malmkjær, 1992: 306).

كما تم التشكيك أيضا في الأساس النظري نفسه حيث نُظر إلى المسألة الرئيسية حول جهد المعالجة  بأنه ذاتيا جدا ولا يمكن قياسه أو تقييمه: “تبقى الصعوبة في هذه الفكرة برمتها: أنها معيار نسبي جدا في حد ذاته، لأنه كيف يمكن تقييمه ومن سيقيمه … كيف يمكن للمرء أن يحدد الدرجة النسبية للجهد العقلي المبذول أثناء التواصل، وبالتالي ‘الملائمة’ في هذا النقطة المرتبطة؟” (Wendland 1996:127–128).

دراسات الترجمة الوصفية

في حين ركزت فيرمير على إنتاج الترجمات، نجد أن منظر آخر، جدعون توري (Gideon Toury)، قد أكد على وصف الترجمات. لقد اقترب من دراسة الترجمة من وجهة نظر التحليل الوصفي المنهجي. لقد اعتقد أنه يمكن تطوير النظرية العامة للترجمة فقط على أساس الدراسة الوصفية للظواهر المتعدية كمهمة تجريبية. إن أفضل تلخيص لآرائه نجدها في كتابه “دراسات الترجمة الوصفية وما ورائها” (Descriptive Translation Studies and Beyond) المنشور عام 1995.

مثل منظري الوظيفية، تولى توري نهج الترجمة الموجه نحو الهدف، معتقدا أن الترجمات هي ظواهر تجريبية تنشأ في “نظام تعددي” أدبي للثقافة التي توجد فيها. نشأ مفهوم النظام التعددي في السبعينات مع ايتمار إيفين زوهار (Itamar Even-Zohar) في عام 1979، الذي صوره كمجموع النظم الأدبية ووسيلة لشرح الطريقة التي يتضمن بها الأدب ثقافة معينة. أهمية هذا القسم هو أن توري اعتمد مفهوم النظام التعددي لتحديد معايير الترجمة وأدرك بذلك عنصرا ثقافيا لفهم الترجمة.

على الرغم من أن توري تجنب اتخاذ نهج إملائي أو إرشادي فإن تحليله الوصفي للترجمة فيه الكثير من القواسم المشتركة مع منظري نظرية سكوبوس مثل فيرمير وريس، وهذا مثير للاهتمام نظرا لأنه يبدو أن عملهم في أوائل الثمانينات قد اُنتج بشكل مستقل وفي نفس الوقت تقريبا. وبكتابته من منظور عصر التكافؤ، علق توري بأن نظريات الترجمة هي غالبا موجهة نحو النص المصدر، وفي أغلب الأحيان، موجهة حتى نحو اللغة المصدر” (Toury, 1980:35). لقد كان الجديد هو فكرة تحديد المعايير الاجتماعية والاعراف الأدبية في الثقافة الهدف وبالتالي تمكين النصوص الهدف من أن تتشكل من خلالها.

لا يزال عمل توري حول دراسات الترجمة مؤثر للغاية، وربما أكثر من ذلك في الدراسات العلمانية التي نشأ فيها عمله. إن الفائدة للترجمة تكمن في البحث المستمر الهادف إلى تحديد المعايير أو الأعراف الاجتماعية الأخرى الموجودة بين القراء الهدف. وهذا، بدوره، من شأنه أن يساعد على انتاج ترجمة أفضل تهدف إلى تلبية احتياجات أولئك القراء.

 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة