تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



 

على خلفية وجهة النظر المفهومة أن الأعمال الأدبية تم توطينها تقريبا عالميا، جادل لورانس فينوتي (Lawrence Venuti) بقوة بأنه سيتم خدمة الثقافات الهدف بطريقة أفضل بترجمات التغريب (تلك التي تُظهر بوضوح الطبيعة الغريبة للنص المصدر). لقد نشر مخاوفه في كتابين تم تداولهما على نطاق واسع، هما: “اختفاء المترجم: تاريخ الترجمة” (The Translator’s Invisibility: A History of Translation) في عام 1995 و “فضائح الترجمة: نحو أخلاقيات الاختلاف” (The Scandals of Translation: Towards an Ethics of Difference) في عام 1998.

وبطبيعة الحال، فقد تمت الدعوة للتغريب في تاريخ الترجمة سابقا، كما بين فينوتي نفسه من خلال تتبع مصدر أفكاره إلى شليرماخر (Venuti, 2008: 19). ومثل غيره ممن سبقوه، يفهم فينوتي التغريب باعتباره استراتيجية ترجمة خطابية متعمدة لكسر عادات الثقافة الهدف عن طريق الحفاظ على روح “الآخر” للنص المصدر. يهدف التغريب إلى عرقلة أعراف الهدف بنص مُترجم أن يُخبر القارئ بغربة الأصل. في القيام بذلك، يتجنب فينوتي الميل إلى الثناء على الترجمات التي تُقرأ بسلاسة أو بطلاقة:

تتطلب الجمالية الشعبية ترجمات طليقة تنتج أثر وهمي للشفافية، وهذا يعني الالتزام باللهجة القياسية الحالية مع تجنب أي لهجة، تسجيل (register)، أو أسلوب يلفت الانتباه إلى الكلمات ككلمات، وبالتالي يستبق ما يحدده القارئ. ونتيجة لذلك، قد تمكن الترجمة بطلاقة من شغل نص أجنبي لجمهور قراء ما، حتى لو كان نص من أدب أجنبي مستبعد، وبالتالي بدء إصلاح قياسي كبير. ولكن مثل هذه الترجمة تعزز في الوقت نفسه اللغة الرئيسية والعديد من استثناءاتها اللغوية والثقافية الأخرى أثناء اخفاء نقش القيم المحلية. الطلاقة هي استيعاب الفن، وعرض تمثيل واقعي للقراء المحليين معكوس برموزهم وأيديولوجياتهم الخاصة كما لو كان مقابلة فورية مع النص والثقافة الأجنبية. (Venuti, 1998: 12)

وخلافا لانصار التغريب السابقين، يتبنى نهجا عدواني في تعزيز ترجمات التغريب، واعتماد تعبيرات من تاريخ الفصل العنصري والعلاقات العرقية لوصف ممارسة تدجين النصوص الأجنبية والثقافات الأجنبية في الثقافة الغربية. بالنسبة له، فإن المشكلة مع التدجين ليست مجرد التقليل من غرابة النص المصدر، ولكن أيضا حول قضايا أخلاقية متعلقة بالاستبعاد القسري للأجنبي: لاحظ هيرمانز (Hermans, 2009: 98) في كلمة “تدجين” انها “المصطلح مختار بجدارة ، مما يشير إلى كل من الغرور والترويض القسري”. وينبغي أن ينظر لفينوتي على أنه يضيف زاوية أخلاقية إلى أنصار التغريب في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر (لاحظ العنوان الفرعي لكتابه المنشور في سنة 1998: “نحو أخلاقيات الاختلاف”). وبهذه الطريقة، فهو يتبع أنطوان برمان (Antoine Berman)، الذي انتقد في مقال له في الثمانينات اتجاها عاما في الترجمة الأدبية لنفي الأجنبي. ويقول هيرمانز “إن الهدف الأخلاقي الصحيح لفعل الترجمة” هو “تلقي الأجنبي على أنها أجنبي” (Hermans, 2000[1985]: 285 – 286).

من خلال تأثير فينوتي يدرك علماء الترجمة بأن النقاش حول التدجين مقابل التغريب له أهمية رئيسية في هذا المجال. الكتب التمهيدية (على سبيل المثال، Munday, 2008) تتميز بأجزاء كبيرة تناقش عمله، ولكن الاعتراف بوجهات نظره ليس كاعتماد مبادئه، حيث كانت هناك انتقادات حول امكانية التطبيق العملي للتغريب وقابلية اختباره (Pym, 1996:171–174) . وعلاوة على ذلك، يميل فينوتي إلى تقديم نهج “كل شيء أو لا شيء” في الترجمة، حيث الاستراتيجية الصحيحة الوحيدة للترجمة هي التغريب. سوف يجادل الوظيفيين تغريب الترجمة صالح فقط عندما يكون هناك غرض ثقافة هدف واضح. في الأماكن التي تتطلب ترجمات تدجين أو تكون مرغوب فيها، فإنه لا يمكن تبرير تقديم ترجمة التغريب  .

لقد أصبح قبول الأبحاث التي تغطي العوامل الاجتماعية والنفسية والسياسية شائعا في دراسات الترجمة بشكل متزايد خلال التسعينات. أشار ليو هيكي (Hickey, Leo., 1998:1 ) أنه “قد أصبح من الواضح أيضا، كما هو الحال في أي شكل آخر من أشكال إعادة الكتابة … أن [الترجمة] تعني التلاعب وترتبط مباشرة بالأيديولوجيا، والسلطة، ونظم القيم وتصورات الواقع”. تزامنت هذه الأسئلة حول التلاعب و أنظمة السلطة مع الاهتمام المتزايد في الواجهة بين دراسات الترجمة ودراسات ما بعد الاستعمار. هذا العمل له أهمية في ترجمة الكتب المقدسة حيث يحدث الكثير من النشاط في ما يسمى ثقافات الأقليات، ولكن ترجمة الأسلوب التي يوافق عليها فينوتي، التي يتطلب عنصرها الأخلاقي رفض التدجين، تعتبر أقل فائدة. تظل الحقيقة أن هناك حاجة إلى الترجمات الاصطلاحية، أو التدجين، وهي تستخدمها وتتبناها بسهولة العديد من الثقافات الهدف. أما المخاوف بشأن اختفاء المترجم فهي أيضا أقل أهمية بالنسبة لمترجمي الكتب المقدسة الذين من غير المحتمل أن يعتبروا النص الهدف وكأنه لديه مكانة مساوية للنص المصدر.

يتداخل مجال مناهج ما بعد الاستعمار في دراسات الترجمة مع فينوتي وغيره ممن دعم استراتيجيات التغريب. يعلق جينتزلر  على النحو التالي:

بدلا من استخدام الترجمة بوصفها أداة لدعم وتوسيع نظام مفاهيمي قائم على الدين والفلسفة الغربية ، يسعى مترجمي ما بعد الاستعمار لاستعادة الترجمة واستخدامها كاستراتيجية للمقاومة، استراتيجية تُحول وتنقل بناء صور الثقافات غير الغربية وليس إعادة تفسيرها باستخدام مفاهيم التطبيع التقليدية واللغة. (Gentzler, 2001: 176)

تشمل الخطوط الرئيسية للبحث في نظرية الترجمة ما بعد الاستعمار دراسة كيفية ممارسة الترجمة في الثقافات الاستعمارية السابقة، والكيفية التي يتم بها ترجمة أعمال كتّاب المستعمرات السابقة؟ وكذلك الدور التاريخي الذي لعبته الترجمة في عملية الاستعمار.

لقد تمت دراسة مناهج ما بعد الاستعمار في ترجمة الإنجيل من قبل راسياه سوجيرثاراجاه (Sugirtharajah, Rasiah., 2001:63) الذي زعم أن توزيع جمعية الإنجيل البريطانية والأجنبية كانت بمثابة نوع من الأداة الاستعمارية التي استخدمت “لغرس” القيم والعادات الغربية. وبالمثل، يدعي هيفزيبا إسرائيل (Israel, Hephzibah., 2006: 270)، عند مناقشته لترجمات الإنجيل للغة التاميل في القرن التاسع عشر، أنه بغض النظر عن نقل الإنجيل بالعامية المحلية، فقد كان هدف المبشرين هو خلق هوية بروتستانتية للمتحولين الهنود. في كلتا الحالتين، هناك رأي بأن الترجمة تتجاوز النشاط المحايد وتصبح عاملا نشطا في القمع الاستعماري. قد يكون بعض هذه الاستنتاجات مبالغا فيه، مثل إصرار سوجيرثاراجاه أن نسخة الملك جيمس كانت تستخدم لاستدعاء النزعات القومية من خلال استخدامها من قبل البريطانيين كوسيلة لفرض الأخلاق المسيحية والحضارة الإنجيلية (Sugirtharajah, 2002: 135 – 148). ليس من المؤكد ما إذا كان الإنجيل الإنجليزي قد استخدم لهذا الحد في كل أنحاء الإمبراطورية البريطانية، وعلى الأقل ليس في تاريخها كله، فهناك على سبيل المثال القليل من الأدلة على استخدام الإنجيل الإنجليزي كأداة للتعليم في مستعمرة هونغ كونغ.

الفرق بين مترجمي ما بعد الاستعمار ودعاة التغريب هو أن النوع الأول يفضلون ترجمات المقاومة كوسيلة لمواجهة الخلل في علاقات القوة بين المُسْتَعْمِر والمُسْتَعْمَر. في المقابل، يسعى أنصار التغريب عادة إلى تثقيف القارئ من خلال التأكيد على غربة الثقافة المصدر عبر ترجمة النص بطريقة تجعل أصوله واضحة.

من المرجح أن تثير مناهج ما بعد الاستعمار آراء متناقضة جدا بين الممارسين والمراجعين. يصعب الموافقة من منظور وظيفي على أنه يحب انتاج الترجمة دائما وفقا لإيديولوجيا ما بعد الاستعمار، لأن هذا سيفترض أن جميع القراء يرغبون في الترجمات المصبوبة والمكتوبة وفقا لأيديولوجيا ما بعد الاستعمار. هذا خصوصا هو الحال نظرا للنجاح الواضح لكل من ترجمات التكافؤ الحيوي والتكافؤ غير الرسمي في جميع أنحاء المستعمرات السابقة.

توضيح لا بد منه

عند وضع نظرية للترجمة يكون هناك غالبا عددا من المفاهيم الخاطئة التي تعتبر مشاكل بالنسبة لدراسة الاتصالات بين اللغات: أولا، فكرة أن الترجمة هي علم، وثانيا، الافتراض أن الترجمة تعتمد على نظرية اللغة التي تشمل جميع فئات النصوص، وجماهير القراء، وظروف الاستخدام. الترجمة ليست علم مستقل، ولكنها في كثير من الأحيان تمثل مهارات متخصصة ويمكن أيضا أن تتطلب الحساسية الجمالية. يجب أن يكون للمترجمين المهرة قدرة خاصة لاستشعار أقرب مكافئ طبيعي للنص، سواء كان شفهيا أو مكتوبا. ولكن الترجمة في جوهرها مهارة وتعتمد إلى حد كبير على مجموعة من التخصصات، مثل علم اللغة، الأنثروبولوجيا الثقافية، وفقه اللغة، وعلم النفس، ونظريات الاتصال. وعلى النقيض من العلوم المختلفة ، مثل الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، تعتبر الترجمة نشاط يمكن لكل الناس المتحدثين بلغتين أن ينخرطوا فيه بدون دراسات خاصة للإجراءات التقنية، لأنهم كثنائيي للغة مهرة سرعان ما يشعرون بدرجة التكافؤ في النصوص المتشابهة.

ربما قد نكون في المستقبل قادرين على التحدث بعلمية أكثر حول الترجمة عندما نعرف المزيد عن الطرق التي يعالج بها الدماغ المعلومات وينقل بها المفاهيم من لغة إلى أخرى. بدون هذه المعلومات عن العمليات العصبية لا يمكننا أن نفهم حقا ما يحدث في أدمغتنا. مع ذلك يبدو بعض الأشخاص مهرة بشكل غير عادي في التلاعب بالكلمات والعبارات، والجمل. بالمعنى التقني يمكن القول أن النظرية التامة للترجمة تتألف من مجموعة من المبادئ العامة المترابطة لمطابقة المحتويات الدلالية للكلام. لا يقضي أفضل المترجمين سنوات في حفظ مجموعات المعاني المرتبطة، ولكنهم يتمتعون بحساسية منبهه  بشكل لا يصدق لمعاني التعبيرات المقابلة في لغتين أو أكثر. في إحدى المرات سألت أحد زملائي الذين يدرسون الترجمة في ليبيا أن يخبرني بعدد  المترجمين المشهورين الذين ساعد في تدريبهم في الجامعات الليبية، لكنه أجاب على الفور أنه لم يقم بتدريب أي مترجمين مبدعين. يبدو أن مثل هؤلاء الأشخاص يولدون بمهارات التكافؤ اللغوي والسلوكي.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة