تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



بقلم/ فاطمة الفلاحي 

 

عند عتبات طفولة بعضنا تحتشد أسراب الفراشات وملائكة الأحلام .. لكن طفولته كانت محاصرة بجند من الخيبات تقاتل أحلامه وتحاصر جهاته، وحين تطيل النظر في عينيه تقرأ طفولته المرة.. "الطفولة المرة" كانت باب روايته الأول ..أملًا في أن يحظى بــ"مرحلة جديدة" بروح أصفى وأنقى وتشتعل فيها الابتسامة .. فاجئته دروب الشتات بأن "بدء الخيبات" قد أدركته بالتوارث ، فلم يكن قدمًا ليحفظ خطواته في صندوق الرؤى ويتجنب قوافل النسيان، بل أضحى كمنديل خيبات ينتحب بصمت وتمشطه أعواد المخابر والجندرمة حين " شاهد أحد الباصات تنطلق فتوجه إلى الأخرى بعد أن عرف أنها المقصودة حسب قول الماكر القصير، كانت فارغة إلا من السائق ألقى السلام عليه بعد الصعود رد عليه وهو ينظر له بالمرآة التي أمامه

شعر أنه تصرف بغباء حين كان أول الراكبين كان عليه أن ينتظر ليمتلأ ويركب

نزل السائق من السيارة اتجه إلى السيارة الواقفة خلفهم ليتكلم مع السائق ليأتي الاثنان بادره الآخر بالسلام، توجس خيفة من نبرة صوته فهم بالنزول، سأله إلى أين ذاهب ابن العم؟ أخبره سوف أشتري الدخان وأعود بعد المنعطف بقليل وإذا بسيارتين للأمن تغلق الطريق من أمامه وخلفه، وقف مكانه ترجلوا من السيارات أمامه وخلفه، قال بداخله ها هي الخيبة الجديدة حطت رحالها، هل يعقل أعبر هذا الطريق والرصاص من حولي لأصل بسلام لأقع بيد الأمن السوري؟ بكل تأكيد سوف يتم تسليمي لحرس الحدود العراقي."

وتسامر تفاصيله في"سجون لا تنتهي" سياطها تلسع آخر هزيع أحلامه وتتراءى أمامه سلسلة إخفاقاته القديمة والجديدة وتشرده، وكأن مسرحية الخيبات والأشياء المراقة لم تنتهِ بعد ..!

يحلم بالحرية وحريته مقيدة خلف أبواب سجانه، يحاول اختراق حاجز الزمن ولو تخيلًا و"الهروب" من فجور الحياة غير المنصفة معه، لاعنًا كل عثرات المسافات وسيوفها الساقطة على كل بنات أفكاره، بغية أن يعبر بجواز سفر مزور كل أبواب السجون .. " أمروه بمرافقتهم أركبوه في إحدى السيارتين وتوجهوا إلى بناء ذي باب كبيرة، بعد فتح الباب أمروه بالنزول وأدخلوه إلى المبنى وتوجهوا إلى إحدى الغرف، وبعد انتظار حضر رجل بلباس مدني تكلم معهم من على باب الغرفة وخرج رجال الأمن، بقي هو والشخص الآخر فقط ليقوم بالأسئلة شفهيا أول الأمر، أخبره أنه من سكنة بغداد وهارب من السلطة

ورجاه أن يذهب إلى التواليت فدله عليها وأول دخوله أخرج الورقة التي بحوزته راجعها وقذفها في مقعد التواليت وسحب السيفون وتخلص منها.

عاد إلى الغرفة فلم يجد أحداً، بقي جالساً لوحده تقريبا لنصف ساعة بدون أن يسمع صوتاً بقربه.

تجرأ وخرج واتجه إلى الباب الرئيسي ليستطلع المكان وإذا كان بمقدوره أن يهرب.

لكنه رأى حرساً يحمل السلاح يقف عند الباب الكبير المغلق.

عاد إلى الغرفة لينتظر".

كان يحلم بأن يستقل قارب "الرحلة إلى المجهول" كقامة تنزف توجعًا تحمل تعويذة أخرجها من جدار سجنه الروحي، الذي بات كبيت مهجور ..فيحرقه جمر المسافات ويأخذ بيده تأشيرته الأخيرة صوب "العودة إلى المربع الأول" زمن الخيبات زمن العسس زمن التحقيقات والرعب " قال أخبرني من أوصلك هنا

قال له دليل وعاد على الفور حين أوصلني

ولماذا لم تسلم نفسك إلى نقطة الأمن في الحدود أو حتى في المدينة.

رد سامي كنت متوجها إلى أقرب مركز أمن وصادفتني الدوريات في الطريق.

يعني أنت سلمت نفسك لهم؟

تقريبا أجابه، قال: وماذا كنت تفعل في الباص،؟ أجابه رغبت أن أواصل رحلتي أول الأمر لكني تراجعت وترجلت متجها إلى أقرب مركز أمني يصادفني

قال دعني أصدقك وسأدون هذا، فتح سجل وأخذ يكتب فيه كافة المعلومات التي أفيد بها

وطلب من سامي مرافقته ليفتح باب زنزانة وجد فيها بعض الأشخاص وهم نيام، قال: انتظر هنا ولو ترغب بالنوم ممكن، ظل جالساً حتى أفاق النيام ليتبين أنهم كلهم من العراق".

لم يعد بينه وبين اقتراب النهاية التي تشبه كثيرًا، تفاصيل من حوله فلا فرق عنده فالحزن هو ذاته، سواء رغبت به الروح أو لم ترغب ، مقسوم عليك الرضوخ لزوابعه ،آملًا في بعض فرح يولد من حضن لحظة حزن، ويسوق ابتساماته كهدايا تنحر على أبواب ثمالة الروح" حين يضحك القدر" ويبحث بين نفسه وذاته ، عن تلك التساؤلات التي تحدث بين المرايا وضباب الأفكار، المتحدث عنه باسم الشقاء والمتعطش لـــ"الهروب من جديد" فلكثر ما أجاد فن الصدع ، أكثر من هروبه، كاتمًا حزنه العميق وآثار السياط والتعذيب على جسده فلا مفر من تلك "الخيبات لا تنفك" ..

كم تمنى أن لا مجال أن توزعه الخيبات، معضلة وجوده المتكرر بين أفانين الوجع، الذي لم يكن يومًا حياديًا معه .. فكان كل شيء يجعل الأوجاع بأعماقه تزمجر في مجرد التفكير بـــ"العودة إلى الخوف" ... لكن بعض الأحايين نحلم بأن هناك لفتة إلهية نثرت الروح ببعض الهمس وتشعر بأن الأشياء "حين تضحك لك" الأقدار.. وينتبه " على يد حطت على كتفه من الخلف، رفع رأسه ليواجه أنثى فارعة الطول تبتسم له والكلب فرح وهو يهز ذيله بحركة سريعة فاقت حركت الرجل المسن ويتقافز من حولها،

صحا من شروده على صوت تلك الأنثى بلغة لا يفهمها.

وهي تدعوه مشاركتها طاولتها القريبة للعودة بعد أن كلمها بالإنكليزية لأنه لا يفهم لغتها

سبقته وهي تتمايل في مشيتها مثل خيط البخور ودخان سيكارتها يتبعها مثل ذلك الخادم الغيور

وقف مبهوتا أمام ما يحدث وهو يتذكر وقوفه في ذلك الطابور الطويل أمام بوابة تختلف عن تلك التي كانت تغلق وتفتح، اليوم يقف مثل متسول بانتظار حساء الصباح منذ أيام

والآن في حضرة أنثى تدعوه أن يشاركها طاولتها، دعته للجلوس ونادت نادل البار وسألته عما يود شربه، وقبل أن يرد بالاعتذار أخبرت النادل أن يحضر كأسين من النبيذ الأحمر، وقالت لا بد أنه يعجبك، رأيتك وأنت تحتسيه بمرارة من قبل.

قدمت له سيكاره وقبل أن يتناولها أشعلتها ووضعتها بين شفتيه.

بادرته بالسؤال هل أنت أسبانيولي أَم لاتيني أَوووووو دعني أحزر أنت أسبانيولي؟ هز رأسه بالنفي بأنه لا ينتمي لكل الذين ذكرتهم .

قال لها أنا من بلاد القهر والفجيعة والزنازين وعويل الأمهات وبكائهن كل مساء وهن ينتبذن ركن الهوان ليستذكرن موتاهن بعذوبة الحزن.

قطبت حاجبيها وهي مستغربة!

سألته

من أي قهر وفجيعة أنت قادم؟

أجابها أنا من بلاد الحرف ومسلة القوانين من بلاد الجنائن المعلقة من بلاد الزقورة المدورة.

أنا سومري من بلاد الحضارات التي أبهرت الكون من بلاد الدكتاتوريات الحاضرة، من بلاد الزنازين والمعتقلات بلاد المغيبين بلاد النفط المهدور بلاد الحرف والقصيد

هل عرفتي من أين أنا؟

أجابت بطريقة شعرية

أنت من بلاد المشاحيف

من بلاد الذهب

من بلاد الأهوار والقصب والبردي

أنت سومري الملامح

أنت فارس الحضارات

أنت كلكامش

أنت الذي تبحث عن عشبة الخلود في ذاكرة البلاد، سحب نفسا عميقا من سيكارته ونفثه في سماء الطاولة المشتركة، راحت تحلق حلقات الدخان فوق رأسها وفوق أنفها وفمها وهي تشهقها بلذة.

أخبرها بعد أن شرب كأسه حتى القاع علي أن أغادر الآن ، وتمتم يشكرها على دعوتها.

سألته الى أين ؟

الى مكان يؤوينا نحن مشردي الديار مدمني المنافي.

ظلت مبهوتة تحلق في وجهه، أين هذا المكان ؟ أجباها منذ أسبوع وأنا أقيم فيه قريب من هنا بأطراف المدينة.

ولأني جديد ولا أعرف القوانين يجب علي أن أكون هناك قبل حلول المساء.

عرضت عليه أن تقله بسيارتها.

أجابها كلا علي أن أعرف الطريق ليتسنى لي الرواح والمجيء ومعرفة الأماكن بلا دليل كما تعودت من قبل في كل محطاتي.

رجته أن يتريث قليلا لتبادل الحديث.

شكرها على الدعوة اللطيفة."

- شعر بأنه قاب إغماضة من موطن الفرح والترجل في جنة الأحلام "تونس وعودة الحياة...." على قيد أن "الخيبات لا تنفك" مازالت تلاحقه بين الفينة والأخرى ...

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة