تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الحق الضائع في ثلاثة حروف!

أدين للترجمة القانونية بالفضل في الاهتمام بأدق التفاصيل وأصغرها، فهي من عملتني أن فصلة صغيرة في وسط الكلمات أو نقطة بسيطة في نهاية الجملة قد تحدث فارق كبيرًا. نعم تلك الفصلة قد تضيف حق أو التزام غير موجود، فيما تنهي النقطة تسلسل وترابط الحديث عن حق أو التزام آخر. ودائمًا ما أقول في معرض حديثي عن الترجمة القانونية أنها مع الترجمة الطبية الأدق والأخطر على الإطلاق، فالخطأ في الأولى يضيع حق، والخطأ في الثانية قد يضيع حياة.

وقد يرى البعض أني أبالغ في حديثي هذا، وأرد عليه بسلسلة تاريخية من الأخطاء التي تبدو بسيطة جدًا في الترجمة القانونية تسببت في كوارث بقى أثر بعضها حتى الآن. ومن أشهر تلك الأخطاء واعتقد أنه أهم مثال يهمنا في العالم العربي؛ هو تلك الحروف الثلاثة التي ساهمت في ضياع حق شعب بأكمله! نعم ثلاثة حروف أضاعت حق شعب بالكامل؛ فما هي قصة تلك الحروف الثلاثة؟

في الخامس من يونيو عام 1967 اجتاحت إسرائيل الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، وهضبة الجولان، وسيناء. وفي أعقاب هذا الاجتياح للأراضي العربية، تضافرت جهود الدول العربية سياسيًا لاستصدار قرار من مجلس الأمن يدين إسرائيل ويطالبها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها. ونجح العرب في مسعاهم، وفي 22 نوفمبر 1967، صدر قرار مجلس الأمن رقم 242، وورد في مادته الأولى "انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير" وكان هذا مكسبًا كبيرًا للعرب.

صدر القرار باللغة الإنجليزية وكتب فيه : "Palestinian Territories"، فيما كانت الترجمة العربية لها "الأراضي الفلسطينية"، وإذا أمعنت النظر عزيزي القارئ فستجد أن الصيغة الإنجليزية تخلو من التعريف، وهو ما يفيد كامل الأراضي الفلسطينية، أم بدون التعريف فبضعة كيلو مترات تفي بالغرض لتكون "أراضي فلسطينية". لم ينتبه المترجم العربي للأسف لعدم وجود التعريف في الإنجليزية، لم ينتبه لعدم وجود "The". تمسكت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بالنسخة الإنجليزية دون أداة التعريف؛ وعليه انسحبت إسرائيل من بضعة كيلومترات لا قيمة لها معلنة بأنها التزمت بتنفيذ القرار، أما العرب فتمسكوا بالنسخة العربية المضاف إليها أداة التعريف وتمسكوا بانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي التي احتلت. وضاع الجهد الكبير الذي بذلته الدول العربية في استصدار هذا القرار، بل وضاع الحق كله في ثلاثة حروف لم ينتبه المترجم لعدم وجودهم! ومازال العرب والفلسطينيون يدورون في دوائر مفرغة منذ ذلك الحين، حيث تمسكت إسرائيل بهذا القرار وأصبح هو صلب كل المفاوضات التي جرت وتجرى من يومها وحتى الآن وخاصة أن القرار اعتبر القضية الفلسطينية مجرد مشكلة لاجئين وطالب بتحقيق تسوية عادلة لهم وهو مكسب كبير حققته إسرائيل.

أشيع بعد ذلك أن الأمر لم يكن خطأ من المترجم ولكنه كان حذفًا متعمدًا بإيعاز من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؛ إلا أن الشائع حتى الآن وخاصة في أوساط المترجمين أن ما حدث كان خطأ من المترجم. وسواء كان الأمر خطأ من المترجم أم حذف متعمد في النهاية ضاع الحق في ثلاثة حروف، ليتجلى أمامنا مدى حساسية ودقة الترجمة والصياغة القانونية، وتتجدد الذكرى والألم في كل مرة نرى فيها تصاعدًا للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وسقوط عشرات الجرحى والشهداء.


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة